ابن تيمية

46

مجموعة الفتاوى

حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلاً } . وَإِسْلَامُ الْوَجْهِ لِلَّهِ تَعَالَى هُوَ إخْلَاصُ الْقَصْدِ وَالْعَمَلِ لَهُ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : { إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } وَقَالَ : { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } وَقَالَ تَعَالَى : { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } . وَمُنْذُ أَقَامَ اللَّهُ حُجَّتَهُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بِخَاتَمِ رُسُلِهِ مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَبَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ الْإِيمَانُ بِهِ وَطَاعَتُهُ وَاتِّبَاعُ شَرِيعَتِهِ وَمِنْهَاجِهِ . فَأَفْضَلُ الْخَلْقِ أَعْلَمُهُمْ وَأَتْبَعُهُمْ لِمَا جَاءَ بِهِ : عِلْماً وَحَالاً وَقَوْلاً وَعَمَلاً وَهُمْ أَتْقَى الْخَلْقِ . وَأَيُّ مَكَانٍ وَعَمَلٍ كَانَ أَعْوَنَ لِلشَّخْصِ عَلَى هَذَا الْمَقْصُودِ كَانَ أَفْضَلَ فِي حَقِّهِ ؛ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ شَيْئاً آخَرَ . ثُمَّ إذَا فَعَلَ كُلُّ شَخْصٍ مَا هُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ فَإِنْ تَسَاوَتْ الْحَسَنَاتُ وَالْمَصَالِحُ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ مَعَ مَا حَصَلَ لِلْآخَرِ فَهُمَا سَوَاءٌ وَإِلَّا فَإِنَّ أَرْجَحَهُمَا فِي ذَلِكَ هُوَ أَفْضَلُهُمَا . وَهَذِهِ الْأَوْقَاتُ يَظْهَرُ فِيهَا مِن النَّقْصِ فِي خَرَابِ " الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ " عِلْماً وَإِيمَاناً مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ فَضْلُ كَثِيرٍ مِمَّنْ بِأَقْصَى الْمَغْرِبِ عَلَى أَكْثَرِهِمْ . فَلَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَلْتَفِتَ إلَى فَضْلِ الْبُقْعَةِ فِي فَضْلِ أَهْلِهَا مُطْلَقاً ؛ بَلْ يُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَلَكِنَّ الْعِبْرَةَ بِفَضْلِ الْإِنْسَانِ فِي إيمَانِهِ وَعَمَلِهِ الصَّالِحِ وَالْكَلِمِ الطَّيِّبِ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ بَعْضُ الْبِقَاعِ أَعْوَنَ عَلَى بَعْضِ الْأَعْمَالِ كَإِعَانَةِ مَكَّةَ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الطَّوَافِ وَالصَّلَاةِ الْمُضَعَّفَةِ وَنَحْوِ